جلال الدين السيوطي

72

الأشباه والنظائر في النحو

الأصل مطابقة المعنى للفظ ومن ثم قال الكوفيون : إن معنى ( أفعل به ) « 1 » في التعجب أمر كلفظه ، وأما البصريون فقالوا : إن معناه التعجّب لا الأمر ، وأجابوا عن القاعدة بأن هذا الأصل قد ترك في مواضع عديدة فليكن متروكا هنا . قال ابن النحاس في ( التعليقة ) : وللكوفيين أن يقولوا : لم يترك هذا الأصل في موضع إلا لحامل ، فما الذي حملهم على تركه هنا ، ويجاب بأن الحامل موجود وهو أن اللفظ إذا احتيج في فهم معناه إلى إعمال فكر كان أبلغ وآكد مما إذا لم يكن كذلك ، لأن النفس حينئذ تحتاج في فهم المعنى إلى فكر وتعب فتكون به أكثر كلفا وضنّة مما إذا لم تتعب في تحصيله ، وباب التعجّب موضع المبالغة ، فكان في مخالفة المعنى للفظ من المبالغة ما لا يحصل باتفاقها فخالفنا لذلك ، وقد ورد الخبر بلفظ الأمر في قوله تعالى : فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا [ مريم : 75 ] وجاء عكس ذلك ، انتهى . ومن المواضع الخارجة عن ذلك ورود لفظ الاستفهام بمعنى التسوية في : سواء عليّ أقمت أم قعدت ، ولفظ النداء بمعنى الاختصاص في « اللّهم اغفر لنا أيّتها العصابة » « 2 » . الأصل أن يكون الأمر كلّه باللّام من حيث كان معنى من المعاني والمعاني إنما الموضوع لها الحروف فجاء الأمر ما عدا المخاطب لازم اللام على الأصل ، واستغنى في فعل المخاطب عنها فحذفت هي وحروف المضارعة لدلالة الخطاب على المعنى المراد ، وقد يؤتى بها على الأصل كقوله تعالى : فلتفرحوا [ يونس : 58 ] فيمن قرأها بالتاء الفوقية ، وفي الحديث : « لتأخذوا مصافّكم » « 3 » . وإتيانه بغير لام هو الكثير ذكر ذلك ابن النحاس في ( التعليقة ) . الأصل في الأفعال التصرّف ومن التصرّف تقديم المنصوب بها على المرفوع واتصال الضمائر المختلفة بها ذكره أبو البقاء في ( التبيين ) قال : وقد استثنى منها نعم وبئس وعسى وفعل التعجب فإن تقديم المنصوب فيها غير جائز .

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 4 / 214 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 3 / 194 ) ، جاء في الحاشية ( قال السيرافي : لأنك لست تناديه وإنما تختصّه ، فتجريه على حرف النداء ، لأن النداء فيه اختصاص فيشبه به للاختصاص لأنه منادى ) . ( 3 ) انظر أسرار العربية ( ص 318 ) ، ومغني اللبيب ( 1 / 247 ) ، والإنصاف المسألة ( 72 ) .